|
بقلم- د.علي التميمي
أصبحت الأمراض الإجتماعية في العراق تتحول الى حالات مزمنة ,ومن مظاهرها أن الإستقامة أصبحت شيئا نادرا وغير مألوف . فالموظف المستقيم محاصر في دائرته من قبل الموظفين الآخرين ومحاسب من قبل مسؤوليه على ما لاحساب عليه .
مما يجعله يصل الى حالة إجهاد العمل كما يسميه علم النفس . فمن لا يمتلك نفسا قوية وإرادة صلبة ينتهي به الحال الى الكآبة والإنعزال .
أما في المجالات العامة ومنافع الخدمة المتعددة في الأسواق والمحلات , فإن ظاهرة الإستقامة والصدق تكاد تكون حالة نادرة وأصبح الناس يعرفون هذه الظاهرة وهم يتألمون منها ويكثرون الشكوى من حولها . ولكنهم يمارسون الغش والإحتيال وعدم الصدق عندما يكون في موقع العمل ويكون الناس بحاجة إليهم .
إن الدوائر الإجتماعية في العراق انتقلت إليها عدوى الأمراض الإجتماعية المزمنة بسبب استمرار السلطات الظالمة والحكومات المنحرفة التي عبر عنها الشاعر أحمد مطر في قصيدته حقوق الجيرة حبث قال :
جاري أتاني شاكيا من شدة الظلمِ
تعبت يا عمي
كأننس أعمل أسبوعين في اليومِ
في الصبح فرَاش
وبعد الظهر بناء
وبعد العصر نجار
وعند الليل ناطور
وفي وقت فراغي مطرب
في معهد الصم
ورغم هذا فأنا
منذ شهور لم اذق رائحة اللحم
جئتك كي تعينني
قلت : على خشمي
قال خلت وظيفة أود أن أشغلها : لكنني أمي
أريد أن تكتب لي
وشاية عنك
وأنت تختمها باسمي ...
ولقد كتب الشعراء كثيرا عن مظاهر النفاق والظلم والتسلط والجور , وطغيان الحكام ولكن الشعر نتيجة علاقته بالحاكم وتمرغه على أبواب السلطة تاريخيا جعل الحالة الشعرية تفقد تأثيرها لأنها حالما تتجاوز لحظة الإنفعال تصبح في طيات النسيان وإن بقت منها شواهد يستعين بها الخطباء والمتحدثون والكتاب .
إن الكتابة السياسية تخلت عن المشروع الإجتماعي يوم دخل البعض منها في سرادقات الدولة وانزوى البعض الآخر عن ميدان التصدي خوفا من سياط السلطة .
ولقد ظهرت ظاهرة جديدة في العراق بعد 9-4-2003 هي ظاهرة الإرهاب الذي تصدى للكتاب والمفكرين وللمبدعين في عملية إجهاض مدروسة لإستئصال الإبداع من المناخات الإجتماعية العراقية.
وما قتل الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات والإعلاميين إلا إمتداد للنفس التصفوي الإرهابي الذي زرعته سلطة صدام حسين في العراق.
فاغتيال عالم الذرة العراقي في عمَان وهو يمشي مع أولاده بمسدس كاتم للصوت , واغتيال عالم الأدوية الدكتور الشهيد إياد حبش في إيطاليا في نهاية الثمانينات وإعدام فيلسوف القرن العشرين محمد باقر الصدر في 9-4-1980 هو تعبير عن مخطط مدروس لإستئصال الطاقات العلمية والفكرية والأدبية .
ويكفي أن شعراء العراق المشهورين عاشوا في المنافي ومات البعض منهم في المنافي .
إن الأمراض الإجتماعية كالحسد والأنانية والنميمة والغش والكذب والإحتيال والتزوير والسرقة انتقلت من الممارسات الفردية الى الممارسات الجمعية , وانتقلت من دائرة العصابات الى دائرة الدولة . فالمرحلة التي كانت فيها عصابات سوق مريدي تتخذ من أحد أحياء بغداد الشعبية مكانا لها أصبحت في مراحل لاحقة تتخذ من الدولة ومكاتبها أماكن لها .
فأصبحت الشهادات المزورة تصدق بأختام الدولة وأصبحت العقود المزورة تصدق بأختام الوزارات وأصبحت الوزارات تقسم الى سيادية وغير سيادية , وأصبحت المحاصصة وهي مرض سياسي ذو جذور إجتماعية هي الوسيلة التي من خلالها يمكن صيد المواقع السيادية .
وأصبحت حرب المواقع السيادية حربا مفتوحة بين الكتل السياسية وأحزابها . ونتيجة للمغانم التي بدأ البعض يتفرد بها ظهر سلوك التواطؤ والمحاباة من أجل الفوز بالمغانم , فكان الخاسر الأول هو المجتمع والدولة فأصبحت الدولة في العراق توضع في السلم الأخير للدول ذات الأعراف القانونية .
وربما تنتفي هذه الصفة فيصبح العراق بلا دولة في المفهوم القانوني للدولة الذي يرتكز على المبادئ الآتية :
عندما تستطيع الدولة ان تؤمن السفر بين أجزاء البلاد بأمان ليلا ونهارا فهذه دولة ذات قوام سليمة .
وعندما تستطيع أن تعامل جميع الرعايا من الشعب بمستوى قانوني واحد بحيث يطبق القانون على الجميع فهذه دولة في العرف القانوني.
وعندما لاتستطيع الدولة ان تحاسب الوزراء والمسؤولين الكبار كما يحدث الآن حيث أوعزت الحكومة إيقاف الملاحقات القضائية لهيئة النزاهة للوزراء وكبار المسؤولين فذا انتقاص كبير للدولة.
وعندما تقدم الأدلة الموثقة للطعن بمسؤول النزاهة أو المسؤولين الآخرين في الدولة ولا يصار الى متابعتها والتحقق من صحتها وإبعاد الفاسدين والذين تحوم الشبهات عليهم فهذه ليست بدولة يطمئن لها.
وعندما يتربع على مقاعد النقابات المهنية أناس معروفون بانتمائهم لمرحلة الفساد السابقة ومشاركتهم الفعلية بتمجيد أصحاب السلطة الفاسدة السابقة فإن ذلك مما يؤدي الى فقدان ثقة الجمهور بالدولة وبالمسؤولين فيها .
وهذه الحالات هي إفراز للأمراض الإجتماعية التي نمت وتكاثرت في أحضان المجتمع وتوسعت وازداد حجمها حتى انتشرت في كل مؤسسات الدولة .
إن حالة من هذا النوع من الأمراض الإجتماعية أصبحت يستعصي معها الحل ولكنه ليس مستحيلا.
وبسبب تفاقم تلك الأمراض الإجتماعية التي أتخمت بها مؤسسات الدولة وحاضنات المجتمع فإن حلا سحريا مستبعدا في مثل هذه الحالة , ولكن استثمار بؤر الوعي ومنابع الترشيد الثقافي على الطريقة القرآنية .
قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون , كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون "
وهذا الإستثمار ليس متوقفا على النقاء الثقافي والمعرفي الذي لازالت له خميرة في المجتمع العراقي, ولكنه يحتاج الى بذل الجهد وإعادة الخطة لإستثمار العناصر المؤهلة لتطبيق القانون بشفافية عالية .
وتلك العناصر هي الأخرى مبثوثة في الميادين القابلة والمؤهلة لاستعمال القوة أي في الجيش والشرطة .
ففي هذه الشرائح خميرة صالحة للمضي قدما بتطبيق القانون دون مجاملة ودون حسابات للمحاصصة من هنا أو هناك .
إن إلغاء المحاصصة في الحياة السياسية العراقية شرط أساسي لممارسة إصلاح الملفات الفاسدة , وإن برنامجا ثقافيا تشترك فيه الجامعة بشطريها الأكاديمي والديني وتشترك فيها النخب المثقفة والمؤسسات الإعلامية بعد إزاحة المحاصصين وحواشي المحاصصة عنها يمكن أن تشكل بداية نهضة حقيقية لمعالجة الأمراض الإجتماعية وفتح أبواب حوارات حقيقية ميدانية في كل المؤسسات الإعلامية والثقافية , هي مبادرة ليست بالمستعصية ولكنها تحتاج الى شجاعة وإخلاص للوطن والمواطن .
وللحديث صلة ..
Dr_tamimi5_(at)_yahoo.com |
 - التعليقات: 0 |
المشاركة السابقة : المشاركة التالية
راسلونا على العنوان البريدي التالي
khabaar2008@yahoo.com
khabaarsport@yahoo.com
khabaar@gmail.com
مع تحيات ادارة وكالة خبر للانباء
|
|